فصل: تفسير الآيات رقم (3- 8)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 68‏]‏

‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏65‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏66‏)‏ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏67‏)‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏يا أهل الكتاب لمَ تحاجون في إبراهيم‏}‏ نزلت لمَّا تنازعت اليهود والنَّصارى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبراهيم عليه السَّلام، فقالت اليهود‏:‏ ما كان إبراهيم إلاَّ يهوديَّاً، وقالت النَّصارى‏:‏ ما كان إلاَّ نصرانيَّاً، وقوله‏:‏ ‏{‏وما أنزلت التوراة والإِنجيل إلاَّ من بعده‏}‏ أَيْ‏:‏ إِنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة حدثتا بعد نزول الكتابين، وإنَّما نزلا بعد موته بزمانٍ طويلٍ‏.‏ ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ فساد هذه الدَّعوى‏.‏

‏{‏ها أنتم‏}‏ أَيْ‏:‏ أنتم ‏{‏هؤلاء‏}‏ أًيْ‏:‏ يا هؤلاء ‏{‏حاججتم‏}‏ جادلتم وخاصمتم ‏{‏فيما لكم به علم‏}‏ يعني‏:‏ ما وجدوه في كتبهم وأُنزل عليهم بيانه وقصَّته ‏{‏فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم‏}‏ من شأن إبراهيم عليه السَّلام، وليس في كتابكم أنَّه يهوديَّاً أو نصرانيَّاً ‏{‏والله يعلمُ‏}‏ شأن إبراهيم ‏{‏وأنتم لا تعلمون‏}‏ ثمَّ بيَّن حاله فقال‏:‏

‏{‏ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ثمَّ جعل المسلمين أحقَّ النَّاس به، فقال‏:‏

‏{‏إنَّ أولى الناس بإبراهيم‏}‏ أَيْ‏:‏ أقربهم إليه وأحقَّهم به ‏{‏للذين اتبعوه‏}‏ على دينه وملَّته ‏{‏وهذا النبيُّ‏}‏ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ‏{‏والذين آمنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ فهم الذين ينبغي أن يقولوا‏:‏ إنَّا على دين إبراهيم عليه السَّلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 75‏]‏

‏{‏وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏69‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ‏(‏70‏)‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏71‏)‏ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏74‏)‏ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏ودَّت طائفةٌ من أهل الكتاب لو يضلونكم‏}‏ أراد اليهود أن يستزلُّوا المسلمين عن دينهم ويردُّوهم إلى الكفر، فنزلت هذه الآية‏.‏ ‏{‏وما يضلون إلاَّ أنفسهم‏}‏ لأنَّ المؤمنين لا يقبلون قولهم، فيحصل الإِثم عليهم بتمنِّيهم إِضلال المؤمنين ‏{‏وما يشعرون‏}‏ أَنَّ هذا يضرُّهم ولا يضرُّ المؤمنين‏.‏

‏{‏يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله‏}‏ أَيْ‏:‏ بالقرآن ‏{‏وأنتم تشهدون‏}‏ بما يدلُّ على صحَّته من كتابكم؛ لأنَّ فيه نعتَ محمَّدٍ عليه السَّلام وذكره‏.‏

‏{‏يا أهل الكتاب لم تلبسون‏}‏ ذُكر في سورة البقرة‏.‏

‏{‏وقالت طائفة من أهل الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وذلك أنَّ جماعةً من اليهود قال بعضهم لبعض‏:‏ أظهروا الإِيمان بمحمَّدٍ والقرآنِ في أوَّل النَّهار، وارجعوا عنه في آخر النهار، فإنَّه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينه ويشكُّوا إذا قلتم‏:‏ نظرنا في كتابكم فوجدنا محمَّداً ليس بذاك، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على سرِّ اليهود ومكرهم بهذه الآية‏.‏

‏{‏ولا تؤمنوا‏}‏ هذا حكايةٌ من كلام اليهود بعضهم لبعض‏.‏ قالوا‏:‏ لا تُصدِّقوا ولا تُقِرّوا ب ‏{‏أَنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم‏}‏ من العلم والحكمة، والكتاب، والحجَّة والمنِّ والسَّلوى، والفضائل والكرامات ‏{‏إلاَّ لمن تبع دينكم‏}‏ اليهوديَّة وقام بشرائعه، وقوله‏:‏ ‏{‏قل إنَّ الهدى هدى الله‏}‏ اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى، وليس من كلام اليهود، ومعناه‏:‏ إنَّ الدِّين دين الله، وقوله‏:‏ ‏{‏أو يحاجُّوكم‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏أن يؤتى‏}‏ والمعنى‏:‏ ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنَّكم أصحُّ ديناً منهم، فلا يكون لهم الحجَّة عليكم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنَّ الفضل بيد الله‏}‏ أَيْ‏:‏ ما تفضَّل الله به عليك وعلى أُمتِّك‏.‏

‏{‏يختصُّ برحمته‏}‏ بدينه الإِسلام ‏{‏مَنْ يشاء والله ذو الفضل‏}‏ على أوليائه ‏{‏العظيم‏}‏ لأنَّه لا شيءَ أعظمُ عند الله من الإِسلام، ثمَّ أخبر عن اختلاف أحوالهم في الأمانة والخيانة بقوله‏:‏

‏{‏ومِنْ أهل الكتاب مَنْ إنْ تأمنه بقنطارٍ يؤدِّه إليك‏}‏ يعني‏:‏ عبد الله بن سلام، أُودع ألفاً ومائتي أوقية من ذهب، فأدَّى الأمانة فيه إلى مَنْ ائتمنه ‏{‏ومنهم من إِنْ تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك‏}‏ يعني‏:‏ فنحاص بن عازوراء، أودع ديناراً فخانه ‏{‏إلاَّ ما دمت عليه قائماً‏}‏ على رأسه بالاجتماع معه، فإن أنظرته وأخَّرته أنكر‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ الاستحلال والخيانة ‏{‏بأنَّهم‏}‏ يقولون‏:‏ ‏{‏ليس علينا‏}‏ فيما أصبنا من أموال العرب شيءٌ؛ لأنَّهم مشركون، فالأميُّون في هذه الآية العرب كلُّهم، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في هذا، فقال‏:‏ ‏{‏ويقولون على الله الكذب‏}‏ لأنَّهم ادَّعوا أنَّ ذلك في كتابهم وكذبوا، فإنَّ الأمانة مؤدَّاة في كلِّ شريعة ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ أَنَّهم يكذبون، ثمَّ ردَّ عليهم قولهم‏:‏ ‏{‏ليس علينا في الأُمييِّن سبيل‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 80‏]‏

‏{‏بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏76‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏77‏)‏ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏78‏)‏ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ‏(‏79‏)‏ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

‏{‏بلى‏}‏ أَيْ‏:‏ بلى عليهم سبيل ‏[‏في ذلك‏]‏، ثمَّ ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏مَنْ أوفى بعهده‏}‏ أَيْ‏:‏ بعهد الله الذي عهد إليه في التَّوراة من الإِيمان بمحمدٍ عليه السَّلام والقرآن، وأَدَّى الأمانة، واتَّقى الكفر والخيانة، ونَقْضَ العهد ‏{‏فإنَّ الله يحب المتقين‏}‏ أََيْ‏:‏ مَنْ كان بهذه الصفة‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يشترون بعهد الله‏}‏ نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ضَيعةٍ، فهمَّ المدَّعَى عليه أن يحلف، فنزلت هذه الآية فنكل ‏[‏المُدَّعى عليه‏]‏ عن اليمين وأقرَّ بالحقِّ، ومعنى ‏{‏يشترون‏}‏ يستبدلون، ‏{‏بعهد الله‏}‏ بوصيته للمؤمنين أن لا يحلفوا كاذبين باسمه ‏{‏وأيمانهم‏}‏ جميع اليمين، وهو الحلف ‏{‏ثمناً قليلأً‏}‏ من الدُّنيا ‏{‏أولئك لا خلاق لهم في الآخرة‏}‏ أَيْ‏:‏ لا نصيب لهم فيها ‏{‏ولا يكلِّمهم الله‏}‏ بكلامٍ يسرُّهم ‏{‏ولا ينظر إليهم‏}‏ بالرَّحمة، وأكثر المفسرين على أنَّ الآية نزلت في اليهود، وكتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانهم الذي بدَّلوه من صفة محمد عليه السَّلام هو الحقُّ في التَّوراة، والدَّليل على صحَّة هذا قوله‏:‏

‏{‏وإنَّ منهم‏}‏ أَيْ‏:‏ من اليهود ‏{‏لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب‏}‏ يحرِّفونه بالتَّغيير والتَّبديل، والمعنى‏:‏ يلوون ألسنتهم عن سنن الصَّواب بما يأتونه به من عند أنفسهم ‏{‏لتحسبوه‏}‏ أَيْ‏:‏ لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به ‏{‏من الكتاب‏}‏‏.‏

‏{‏ما كان لبشرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ لمَّا ادَّعت اليهود أنَّهم على دين إبراهيم عليه السَّلام وكذَّبهم الله تعالى غضبوا وقالوا‏:‏ ما يرضيك منَّا يا محمد إلاَّ أَنْ نتَّخذك ربّاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ معاذَ الله أَنْ نأمر بعبادة غير الله، ونزلت هذه الآية‏.‏ ‏{‏ما كان لبشر‏}‏ أن يجمع بين هذين‏:‏ بين النبوَّة وبين دُعاء الخلق إلى عبادة غير الله ‏{‏ولكن‏}‏ يقول‏:‏ ‏{‏كونوا ربانيين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أَيْ‏:‏ يقول‏:‏ كونوا معلِّمي الناس بعلمكم ودرسكم، علِّموا النَّاس وبيِّنوا لهم، وكذا كان يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لليهود؛ لأنَّهم كانوا أهل كتاب يعلمون ما لا تعلمه العرب‏.‏

‏{‏ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً‏}‏ كما فعلت النَّصارى والصَّابئون ‏{‏أيأمركم بالكفر‏}‏ استفهامٌ معناه الإِنكار، أَيْ‏:‏ لا يفعل ذلك ‏{‏بعد إذ أنتم مسلمون‏}‏ بعد إسلامكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 84‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ‏(‏81‏)‏ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏82‏)‏ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب‏}‏ ‏"‏ ما ‏"‏ ها هنا للشرط، والمعنى، لئن آتيتكم شيئاً من كتاب وحكمة، ومهما آتيتكم ‏{‏ثمَّ جاءكم رسول مصدِّق لما معكم لتؤمننَّ به‏}‏ ويريد بميثاق النَّبييِّن عهدهم ليشهدوا لمحمد عليه السَّلام أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم‏}‏ يريد محمداً ‏{‏لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه‏}‏ أَيْ‏:‏ إن أدركتموه ولم يبعث الله نبيَّاً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمَّدٍ عليه السَّلام، وأمره بأنْ يأخذ العهد على قومه لَيُؤمننَّ به، ولئنْ بُعث وهم أحياءٌ لينصرنَّه، وهذا احتجاجٌ على اليهود، وقوله‏:‏ ‏{‏أأقررتم‏}‏ أَيْ‏:‏ قال الله للنَّبييِّن‏:‏ أقررتم بالإِيمان به والنُّصرة له ‏{‏وأخذتم على ذلكم إصري‏}‏ أَيْ‏:‏ قبلتم عهدي‏؟‏ ‏{‏قالوا أقررنا قال فاشهدوا‏}‏ أَي‏:‏ على أنفسكم وعلى أتباعكم ‏{‏وأنا معكم من الشاهدين‏}‏ عليكم وعليهم‏.‏

‏{‏فَمَن تولى‏}‏ أعرض من ‏{‏بعد ذلك‏}‏ بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبيِّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏فأولئك هم الفاسقون‏}‏ الخارجون عن الإيمان‏.‏

‏{‏أفغير دين الله يبغون‏}‏ بعد أخذ الميثاق عليهم بالتَّصديق بمحمَّد عليه السَّلام ‏{‏وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعاً‏}‏ الملائكة والمسلمون ‏{‏وكرهاً‏}‏ الكفَّار في وقت البأس ‏{‏وإليه يُرجعون‏}‏ وعيدٌ لهم، أَيْ‏:‏ أيبغون غير دين الله مع أنَّ مرجعهم إليه‏؟‏

‏{‏قل آمنا بالله‏}‏ أُمِرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقول‏:‏ آمنَّا بالله وبجميع الرُّسل من غير تفريقٍ بينهم في الإِيمان كما فعلت اليهود والنَّصارى، ونظير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 91‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏86‏)‏ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏87‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏88‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏89‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ‏(‏90‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏كيف يهدي الله‏}‏ هذا استفهامٌ معناه الإِنكار، أَيْ‏:‏ لا يهدي الله ‏{‏قوماً كفروا بعد إيمانهم‏}‏ أَي‏:‏ اليهود كانوا مؤمنين بمحمَّدٍ عليه السَّلام قبل مبعثه، فلمَّا بُعث كفروا به، وقوله‏:‏ ‏{‏وشهدوا‏}‏ أَيْ‏:‏ وبعد أنْ شهدوا ‏{‏أنَّ الرسول حقٌّ وجاءهم البينات‏}‏ ما بيِّن في التَّوراة ‏{‏والله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يرشد مَنْ نقض عهود الله بظلم نفسه‏.‏

‏{‏أولئك جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله‏}‏ مثل هذه الآية ذُكر في سورة البقرة‏.‏

‏{‏إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ راجعوا الإِيمان بالله وتصديق نبيِّه ‏{‏وأصلحوا‏}‏ أعمالهم‏.‏

‏{‏إنَّ الذين كفروا بعد إيمانهم‏}‏ وهم اليهود ‏{‏ثم ازدادوا كفراً‏}‏ بالإِقامة على كفرهم ‏{‏لن تقبل توبتهم‏}‏ لأنهم لا يتوبون إلاَّ عند حضور الموت، وتلك التَّوبة لا تُقبل‏.‏

‏{‏إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً‏}‏ وهو القدر الذي يملؤها‏.‏ يقول‏:‏ لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم يُقبل منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 94‏]‏

‏{‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏92‏)‏ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏93‏)‏ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏لن تنالوا البر‏}‏ ‏[‏التقوى‏.‏ وقيل‏:‏‏]‏ أَي‏:‏ الجنَّة ‏{‏حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏ أَيْ‏:‏ تُخرجوا زكاة أموالكم‏.‏

‏{‏كلُّ الطعام كان حلاً لبني إسرائيل‏}‏ أَيْ‏:‏ حلالاً ‏{‏إلاَّ ما حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة‏}‏ ‏"‏ وذلك أنَّ يعقوب عليه السَّلام مرض مرضاً شديداً، فنذر لئن عافاه الله تعالى لَيُحرِّمنَّ أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه، وكان أحبَّ الطَّعام والشَّراب إليه لحمانُ الإِبل وألبانها، فلمَّا ادَّّعى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه علم دين إبراهيم عليه السَّلام قالت اليهود‏:‏ كيف وأنت تأكل لحوم الإِبل وألبانها‏؟‏ فقال النَّبيُّ عليه السَّلام‏:‏ كان ذلك حلالاً لإِبراهيم عليه السَّلام، فادَّعت اليهود أنَّ ذلك كان حراماً عليه ‏"‏، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم، وبيَّن أنَّ ابتداء هذا التَّحريم لم يكن في التَّوراة، إنَّما كان قبل نزولها، وهو قوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتَّوراة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏فمن افترى على الله الكذب‏}‏ أَيْ‏:‏ بإضافة هذا التَّحريم إلى الله عزَّ وجلَّ على إبراهيم في التَّوراة ‏{‏من بعد ذلك‏}‏ من بعد ظهور الحجَّة بأنَّ التَّحريم إنَّما كان من جهة يعقوب عليه السَّلام ‏{‏فأولئك هم الظالمون‏}‏ أنفسهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 99‏]‏

‏{‏قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏95‏)‏ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ‏(‏96‏)‏ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ‏(‏97‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ‏(‏98‏)‏ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏99‏)‏‏}‏

‏{‏قل صدق الله‏}‏ في هذا وفي جميع ما أخبر به‏.‏

‏{‏إنَّ أوَّل بيتٍ وُضع للناس‏}‏ يُحَجُّ إليه ‏{‏للذي ببكة‏}‏ مكَّة ‏{‏مباركاً‏}‏ كثير الخير، بأن جُعل فيه وعنده البركة ‏{‏وهدىً‏}‏ وذا هدىً ‏{‏للعالمين‏}‏ لأنَّه قِبلة صلاتهم، ودلالةٌ على الله بما جعل عنده من الآيات‏.‏

‏{‏فيه آياتٌ بيناتٌ‏}‏ أَيْ‏:‏ المشاعر والمناسك كلُّها، ثمَّ ذكر بعضها فقال‏:‏ ‏{‏مقام إبراهيم‏}‏ أَيْ‏:‏ منها مقام إبراهيم ‏{‏ومَنْ دخله كان آمناً‏}‏ أَيْ‏:‏ مَنْ حجَّه فدخله كان آمناً من الذُّنوب التي اكتسبها قبل ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ من النَّار ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ عمَّم الإِيجاب ثمَّ خصَّ، وأبدل من النَّاس فقال‏:‏ ‏{‏من استطاع إليه سبيلاً‏}‏ يعني‏:‏ مَنْ قوي في نفسه، فلا تلحقه المشقَّة في الكون على الرَّاحلة، فمَنْ كان بهذه الصِّفة وملك الزَّاد والرَّاحلة وجب عليه الحج ‏{‏ومَنْ كفر‏}‏ جحد فرض الحجِّ ‏{‏فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين‏}‏‏.‏

‏{‏قل يا أهل الكتاب لم تصدُّون عن سبيل الله مَنْ آمن‏}‏ كان صدُّهم عن سبيل الله بالتَّكذيب بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ صفته ليست في كتابهم ‏{‏تبغونها عوجاً‏}‏ تطلبون لها عوجاً بالشُّبَه التي تلبسونها على سفلتكم ‏{‏وأنتم شهداء‏}‏ بما في التَّوراة أنَّ دين الله الإِسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 108‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ‏(‏100‏)‏ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏101‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏102‏)‏ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏103‏)‏ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏104‏)‏ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏105‏)‏ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏106‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏107‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إنْ تطيعوا فريقاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت في الأوس والخزرج حين أغرى قومٌ من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم، ثمَّ خاطبهم فقال‏:‏

‏{‏وكيف تكفرون‏}‏ أَيْ‏:‏ على أيِّ حالٍ يقع منكم الكفر وآياتُ الله التي تدلُّ على توحيده تُتلى عليكم ‏{‏وفيكم رسوله ومَنْ يعتصم بالله‏}‏ يؤمن بالله‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته‏}‏ وهو أَنْ يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، فلما نزل هذا قال أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ومَنْ يقوى على هذا‏؟‏ وشقَّ عليهم، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتَّقوا الله ما استطعتم‏}‏ فنسخت الأولى ‏{‏ولا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون‏}‏ أَيْ‏:‏ كونوا على الإِسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم عليه، وهو في الحقيقةِ نهيٌ عن ترك الإِسلام‏.‏

‏{‏واعتصموا بحبل الله جميعاً‏}‏ أَيْ‏:‏ تمسَّكوا بدين الله، والخطاب للأوس والخزرج ‏{‏ولا تفرقوا‏}‏ كما كنتم في الجاهليَّة مُقتتلين على غير دين الله ‏{‏واذكروا نعمة الله عليكم‏}‏ بالإِسلام ‏{‏إذ كنتم أعداءً‏}‏ يعني‏:‏ ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإِسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخواناً مُتوادِّين، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار‏}‏ أَيْ‏:‏ طرف حفرةٍ من النَّار لو متم على ما كنتم عليه ‏{‏فأنقذكم‏}‏ فنجَّاكم ‏{‏منها‏}‏ بالإِسلام وبمحمد عليه السَّلام ‏{‏كذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ مثل هذا البيان الذي تُلي عليكم ‏{‏يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون‏}‏‏.‏

‏{‏ولتكن منكم أمة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أَيْ‏:‏ وليكن كلُّكم كذلك، ودخلت ‏"‏ مِنْ ‏"‏ لتخصيص المخاطبين من غيرهم‏.‏

‏{‏ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا‏}‏ أَي‏:‏ اليهود والنَّصارى ‏{‏واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّ اليهود اختلفوا بعد موسى، فصاروا فرقاً، وكذلك النَّصارى‏.‏

‏{‏يومَ تبيض وجوه‏}‏ أَيْ‏:‏ وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ عليه السَّلام، ‏{‏وتسودّ وجوه‏}‏ اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به ‏{‏فأمَّا الذين اسودَّت وجوههم‏}‏ فيقال لهم‏:‏ ‏{‏أكفرتم بعد إيمانكم‏}‏ لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ عليه السَّلام بالنُّبوَّة، فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به‏.‏

‏{‏وأمَّا الذين ابيضَّت وجوههم ففي رحمة الله‏}‏ أَيْ‏:‏ جنَّته‏.‏

‏{‏تلك آيات الله‏}‏ أَي‏:‏ القرآن ‏{‏نتلوها عليك‏}‏ نُبيِّنها ‏{‏بالحقِّ‏}‏ بالصِّدق ‏{‏وما الله يريد ظلماً للعالمين‏}‏ فيعاقبهم بلا جرمٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 113‏]‏

‏{‏كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏110‏)‏ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏111‏)‏ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ‏(‏112‏)‏ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

‏{‏كنتم خير أمة‏}‏ عند الله في اللَّوح المحفوظ‏.‏ يعني‏:‏ أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ‏{‏أُخرجت للناس‏}‏ أُظهرت لهم، وما أَخرج الله تعالى للنَّاس أُمَّة خيراً من أُمَّة محمَّد عليه السَّلام، ثمَّ مدحهم بما فيهم من الخصال فقال‏:‏ ‏{‏تأمرون بالمعروف‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏لن يضرُّوكم‏}‏ أَي‏:‏ اليهود ‏{‏إلاَّ أذىً‏}‏ إلاَّ ضرراً يسيراً باللِّسان، مثل الوعيد والبهت ‏{‏وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار‏}‏ منهزمين‏.‏ وعد الله نبيَّه والمؤمنين النُّصرة على اليهود، فصدق وعده فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاًّ انهزموا‏.‏

‏{‏ضربت عليهم الذلة‏}‏ ذكرناه ‏{‏أينما ثقفوا‏}‏ وُجدوا وصُودفوا ‏{‏إلاَّ بحبل من الله‏}‏ أَيْ‏:‏ لكن قد يعتصمون بالعهد ‏[‏إذا أعطوه، والمعنى‏:‏ أنَّهم إذلاء في كلِّ مكان إلاَّ أنَّهم يعتصمون بالعهد‏]‏، والمراد‏:‏ ‏{‏بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس‏}‏ العهد والذِّمَّة والأمان الذي يأخذونه من المؤمنين بإذن الله، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة، ثمَّ أخبر أنَّهم غير متساوين في دينهم فقال‏:‏

‏{‏ليسوا سواء‏}‏ وأخبر أنَّ منهم المؤمنين فقال‏:‏ ‏{‏من أهل الكتاب أمة قائمة‏}‏ أَيْ‏:‏ على الحقِّ ‏{‏يتلون‏}‏ يقرؤون ‏{‏آيات الله‏}‏ كتاب الله ‏{‏آناء الليل‏}‏ ساعاته‏.‏ يعني‏:‏ عبد الله بن سلام ومَنْ آمن معه من أهل الكتاب ‏{‏وهم يسجدون‏}‏ أَيْ‏:‏ يُصلُّون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏115- 121‏]‏

‏{‏وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ‏(‏115‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏116‏)‏ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏117‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏118‏)‏ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏119‏)‏ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏120‏)‏ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏121‏)‏‏}‏

‏{‏وما يفعلوا من خيرٍ فلن يكفروه‏}‏ لن تُجحدوا جزاءه‏.‏

‏{‏إنَّ الذين كفروا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ سبقت في أوَّل هذه السورة‏.‏

‏{‏مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ نفقة سفلة اليهود على علمائهم ‏{‏كمثل ريح فيها صرٌّ‏}‏ بردٌ شديدٌ ‏{‏أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم‏}‏ بالكفر والمعصية‏.‏ أعلم الله تعالى أنَّ ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الرِّيح على هذا الزَّرع ‏{‏وما ظلمهم الله‏}‏ لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو عدلٌ منه ‏{‏ولكن أنفسهم يظلمون‏}‏ بالكفر والعصيان، ثمَّ نهى المؤمنين عن مباطنتهم فقال‏:‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة‏}‏ أَيْ‏:‏ دخلاً وخواصَّ ‏{‏من دونكم‏}‏ من غير أهل ملَّتكم ‏{‏لا يألونكم خبالاً‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يدعون جهدهم في مضرَّتكم وفسادكم ‏{‏ودُّوا ما عنتم‏}‏ تمنَّوا ضلالكم عن دينكم ‏{‏قد بدت البغضاء‏}‏ أَيْ‏:‏ ظهرت العداوة ‏{‏من أفواههم‏}‏ بالشَّتيمة والوقيعة في المسلمين ‏{‏وما تخفي صدورهم‏}‏ من العداوة والخيانة ‏{‏أكبر قد بيّنا لكم الآيات‏}‏ أَيْ‏:‏ علامات اليهود في عداوتهم‏.‏ ‏{‏إن كنتم تعقلون‏}‏ موقع نفع البيان‏.‏

‏{‏ها أنتم‏}‏ ‏"‏ ها ‏"‏ تنبيهٌ دخل على ‏"‏ أنتم ‏"‏ ‏{‏أولاء‏}‏ بمعنى‏:‏ الذين‏.‏ كأنَّه قيل‏:‏ الذين ‏{‏تحبُّونهم ولا يحبُّونكم‏}‏ أَيْ‏:‏ تريدون لهم الإِسلام، وهم يريدونكم على الكفر ‏{‏وتؤمنون بالكتاب كلِّه‏}‏ أَيْ‏:‏ بالكتب، وهو اسم جنس ‏{‏وإذا خلوا عضُّوا عليكم الأنامل‏}‏ أَيْ‏:‏ أطراف الأصابع ‏{‏من الغيظ‏}‏ التَّقدير‏:‏ عضُّوا الأنامل من الغيظ عليكم، وذلك لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ‏{‏قل موتوا بغيظكم‏}‏ أمر الله تعالى نبيَّه أن يدعو عليهم بدوام غيظهم إلى أن يموتوا ‏{‏إنَّ الله عليمٌ بذات الصدور‏}‏ بما فيها من خيرٍ وشرٍّ‏.‏

‏{‏إن تمسسكم حسنةٌ‏}‏ نصرٌ وغنيمةٌ ‏{‏تسؤهم‏}‏ تحزنهم ‏{‏وإنْ تصبكم سيئة‏}‏ ضد ذلك، وهو كسرٌ وهزيمةٌ ‏{‏يفرحوا بها وإن تصبروا‏}‏ على ما تسمعون من آذاهم ‏{‏وتتقوا‏}‏ مقاربتهم ومخالطتهم ‏{‏لا يضرُّكم كيدهم‏}‏ عداوتهم ‏{‏شيئاً إنَّ الله بما يعملون محيط‏}‏ عالمٌ به فلن تعدموا جزاءه‏.‏

‏{‏وإذ غدوت‏}‏ يعني‏:‏ يوم أُحدٍ ‏{‏من أهلك‏}‏ من منزل عائشة رضي الله عنها ‏{‏تبوِّئ‏}‏ تُهيِّئ للمؤمنين ‏{‏مقاعد‏}‏ مراكز ومثابت ‏{‏للقتال والله سميع‏}‏ لقولكم ‏{‏عليم‏}‏ بما في قلوبكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏122- 129‏]‏

‏{‏إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏122‏)‏ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ‏(‏124‏)‏ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ‏(‏125‏)‏ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏126‏)‏ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ‏(‏127‏)‏ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏128‏)‏ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏129‏)‏‏}‏

‏{‏إذ همَّت طائفتان منكم‏}‏ بنو سَلِمة وبنو حارثة ‏{‏أن تفشلا‏}‏ أَنْ تجبنا، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب، فعصمهم الله ‏{‏والله وليُّهما‏}‏ ناصرهما وموالٍ لهما ‏{‏وعلى الله فليتوكل‏}‏ فليعتمد في الكفاية ‏{‏المؤمنون‏}‏‏.‏

‏{‏ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلَّةٌ‏}‏ بقلَّة العدد وقلَّة السِّلاح ‏{‏فاتقوا الله لعلكم تشكرون‏}‏ أَيْ‏:‏ فاتقونِ فإنه شكر نعمتي‏.‏

‏{‏إذ تقول للمؤمنين‏}‏ يوم بدرٍ‏:‏ ‏{‏ألن يكفيكم أَنْ يمدَّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين‏}‏‏.‏

‏{‏بلى‏}‏ تصديقٌ لوعد الله ‏{‏إن تصبروا‏}‏ على لقاء العدوِّ ‏{‏وتتقوا‏}‏ معصية الله ومخالفة النبيِّ عليه السَّلام ‏[‏‏{‏ويأتوكم من فورهم‏}‏ قيل‏:‏ من وجههم‏:‏ وقيل‏:‏ من غيظهم‏]‏ ‏{‏يمددكم ربكم بخسمة آلاف من الملائكة مسوِّمين‏}‏ مُعلَّمين، وكانت الملائكة قد سوِّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها، ثمَّ صبر المؤمنون يوم بدر فأُمدّوا بخمسة آلاف من الملائكة‏.‏

‏{‏وما جعله الله‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك الإِمداد ‏{‏إلاَّ بشرى‏}‏ أَيْ‏:‏ بشارةً لكم ‏{‏ولتطمئن قلوبكم به‏}‏ فلا تجزع من كثرة العدو ‏{‏وما النصر إلاَّ مِنْ عند الله‏}‏ لأنَّ مَن لم ينصره الله فهو مخذولٌ وإنْ كثرت أنصاره‏.‏

‏{‏ليقطع طرفاً‏}‏ أَيْ‏:‏ نصركم ببدرٍ ‏[‏ليقطع طرفاً، أي‏:‏‏]‏ ليهدم ركناً من أركان الشِّرك بالقتل والأسر ‏{‏أو يكبتهم‏}‏ أَيْ‏:‏ يخزيهم ويُذلَّهم‏.‏ يعني‏:‏ الذين انهزموا‏.‏ قوله‏:‏

‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ لمَّا كان يوم أُحدٍ من المشركين ما كان من كسر رباعيَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشجِّه، فقال‏:‏ كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم‏؟‏‏!‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية يُعلمه أنَّ كثيراً منهم سيؤمنون، والمعنى‏:‏ ليس لك من الأمر في عذابهم أو استصلاحهم شيءٌ، حتى يقع إنابتهم أو تعذيبهم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏أو يتوب عليهم أو يعذبهم‏}‏ فلمَّا نفى الأمر عن نبيِّه عليه السَّلام ذكر أنَّ جميع الأمر له، فمَنْ شاء عذَّبه، ومن شاء غفر له، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء‏}‏ أَي‏:‏ الذَّنب العظيم للموحِّدين ‏{‏ويعذّب من يشاء‏}‏ يريد‏:‏ المشركين على الذَّنب الصَّغير ‏{‏والله غفورٌ‏}‏ لأوليائه ‏{‏رحيمٌ‏}‏ بهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏130- 138‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏130‏)‏ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ‏(‏131‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏132‏)‏ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏133‏)‏ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏134‏)‏ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏135‏)‏ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ‏(‏136‏)‏ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏137‏)‏ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ هو أنَّهم كانوا يزيدون على المال ويؤخِّرون الأجل، كلَّما أُخرِّ أجلٌ إلى غيره زِيد في المال زيادةٌ ‏{‏لعلكم تفلحون‏}‏ لكي تسعدوا وتبقوا في الجنَّة‏.‏

‏{‏واتقوا النَّار‏}‏ بتحريم الرِّبا وترك الاستحلال له ‏{‏التي أعدَّت للكافرين‏}‏ دون المؤمنين‏.‏

‏{‏وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم‏}‏ أَي‏:‏ الإِسلامِ الذي يوجب المغفرة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى التَّوبة، وقيل‏:‏ إلى أداء الفرائض ‏{‏وجنَّة عرضها السموات والأرض أُعدّت‏}‏ لكلِّ واحدٍ من أولياء الله‏.‏

‏{‏الذين ينفقون في السراء والضرَّاء‏}‏ في اليسر والعسر، وكثرة المال وقلَّته ‏{‏والكاظمين الغيظ‏}‏ الكافيِّن غضبهم عن إمضائه ‏{‏والعافين عن الناس‏}‏ أيْ‏:‏ المماليك وعمَّنْ ظلمهم وأساء إليهم ‏{‏والله يحبُّ المحسنين‏}‏ الموحِّدين الذين فيهم هذه الخصال‏.‏

‏{‏والذين إذا فعلوا فاحشة‏}‏ أَي‏:‏ الزِّنا، نزلت في نبهان التَّمَّار أتته امراةٌ حسناء تبتاع منه التمر، فضمَّها إلى نفسه وقبَّلها، ثمَّ ندم على ذلك فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏أو ظلموا أنفسهم‏}‏ يعني‏:‏ ما دون الزِّنا من قُبلةٍ، أو لمسةٍ، أو نظرٍ ‏{‏ذكروا الله‏}‏ أيْ‏:‏ ذكروا عقاب الله ‏{‏ولم يُصرُّوا‏}‏ أَيْ‏:‏ لم يقيموا ولم يدوموا ‏{‏على ما فعلوا‏}‏ بل أقرُّوا واستغفروا ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ أنَّ الذي أوتوه حرامٌ ومعصية‏.‏

‏{‏قد خلت من قبلكم سننٌ‏}‏ قد مضت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الكافرة سننٌ بإمهالي إيَّاهم، حتى يبلغوا الأجل الذي أجَّلته في إهلاكهم، وبقيت لهم آثارٌ في الدُّنيا فيهم أعظم الاعتبار‏.‏ ‏{‏فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة‏}‏ آخرُ أمرِ ‏{‏المُكذِّبين‏}‏ منهم‏:‏ نزلت في قصَّة يوم أُحدٍ‏.‏ يقول الله‏:‏ فأنا أُمهلهم حتَّى يبلغ أجلي الذي أجَّلْتُ في نصرة النبيِّ عليه السَّلام وأوليائه، وإهلاك أعدائه‏.‏

‏{‏هذا بيانٌ للناس‏}‏ أي‏:‏ القرآن بيانٌ للنَّاس عامَّة ‏{‏وهدىً وموعظة للمتقين‏}‏ خاصَّة وهم الذين هداهم الله بفضله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏139- 144‏]‏

‏{‏وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏139‏)‏ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏(‏140‏)‏ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ‏(‏141‏)‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ‏(‏142‏)‏ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ‏(‏143‏)‏ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ‏(‏144‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تهنوا‏}‏ ولا تضعفوا عن جهاد عدوِّكم بما نالكم من الهزيمة ‏{‏ولا تحزنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ على ما فاتكم من الغنيمة ‏{‏وأنتم الأعلون‏}‏ أَيْ‏:‏ لكم تكون العاقبة بالنَّصر والظَّفر ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّ الإِيمان يُوجب ما ذكر من ترك الوهن والحزن‏.‏

‏{‏إن يمسسكم‏}‏ يصبكم ‏{‏قرحٌ‏}‏ جراحٌ وألمها يوم أُحدٍ ‏{‏فقد مسَّ القوم‏}‏ المشركين ‏{‏قرحٌ مثله‏}‏ يوم بدرٍ ‏{‏وتلك الأيام‏}‏ أَيْ‏:‏ أيَّام الدُّنيا ‏{‏نداولها‏}‏ نُصرِّفها ‏{‏بين الناس‏}‏ مرَّةً لفرقةٍ ومرَّةً عليها ‏{‏وليعلم الله الذين آمنوا‏}‏ مُميَّزين بالإٍيمان عن غيرهم‏.‏ أَيْ‏:‏ إِنَّما نجعل الدَّولة للكفَّار على المؤمنين ليميَّز المؤمن المخلص ممَّن يرتدُّ عن الدِّين إذا أصابته نكبة، والمعنى‏:‏ ليعلمهم مشاهدةً كما علمهم غيباً ‏{‏ويتخذ منكم شهداء‏}‏ أَيْ‏:‏ ليكرم قوماً بالشَّهادة ‏{‏والله لا يحبُّ الظالمين‏}‏ أَي‏:‏ المشركين، أَيْ‏:‏ إنَّه إنما يُديل المشركين على المؤمنين لما ذُكر؛ لا لأنَّه يحبُّهم‏.‏

‏{‏وليمحص الله الذين آمنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ ليخلِّصهم من ذنوبهم بما يقع عليهم من قتلٍِ وجرحٍ وذهاب مال ‏{‏ويمحق الكافرين‏}‏ يستأصلهم إذا أدال عليهم‏:‏ يعني‏:‏ أنه يُديل على المؤمنين لما ذُكر، ويُديل على الكافرين لإِهلاكهم بذنوبهم‏.‏

‏{‏أم حسبتم‏}‏ بل أحسبتم‏:‏ أَي‏:‏ لا تحسبوا ‏{‏أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أَيْ‏:‏ ولمَّا يقع العلم بالجهاد مع العلم بصبر الصَّابرين، والآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أُحدٍ‏.‏ قيل لهم‏:‏ أحسبتم أن تدخلوا الجنَّة كما دخل الذين قُتلوا وثبتوا على ألم الجرح والضَّرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم‏؟‏‏!‏

‏{‏ولقد كنتم تمنون الموت‏}‏ كانوا يتمنَّون يوماً مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولون‏:‏ لنفعلنَّ ولنفعلنَّ، ثمَّ انهزموا يوم أُحدٍ، فاستحقُّوا العقاب، وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن تلقوه‏}‏ أَيْ‏:‏ من قبل يوم أحدٍ ‏{‏فقد رأيتموه‏}‏ رأيتم ما كنتم تتمنُّون من الموت، أَيْ رأيتم أسبابه ‏[‏ولم تثبتوا مع نبيّكم‏.‏ نزلت في معاتبة الرسول إياهم، فقالوا‏:‏ بلغنا أنَّك قد قُتلْتَ لذلك انهزمنا ‏{‏وأنتم تنظرون‏}‏‏]‏ وأنتم بُصراءُ تتأمَّلون الحال في ذلك كيف هي، فَلِمَ انهزمتم‏؟‏

‏{‏وما محمدٌ إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل‏}‏ أَيْ‏:‏ يموت كما ماتت الرُّسل قبله ‏{‏أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم‏}‏ ارتددتم كفَّاراً بعد إيمانكم، وذلك لمَّا نُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ وأُشيع أنَّه قد قُتل قال ناس من أهل النِّفاق للمؤمنين‏:‏ إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأوَّل، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ ‏{‏ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً‏}‏ أَيْ‏:‏ فإنما يضرُّ نفسه باستحقاق العذاب ‏{‏وسيجزي الله‏}‏ بما يستحقون من الثَّواب ‏{‏الشاكرين‏}‏ الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار، ثمَّ عاتب المنهزمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏145- 150‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ‏(‏145‏)‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ‏(‏146‏)‏ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏147‏)‏ فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏148‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ‏(‏149‏)‏ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

‏{‏وما كان لنفس أن تموت‏}‏ أَيْ‏:‏ ما كانت نفسٌ لتموت ‏{‏إلاَّ بإذن الله‏}‏ بقضائه وقدره، كتب الله ذلك ‏{‏كتاباً مؤجلاً‏}‏ إلى أجله الذي قدِّر له، فلمَ انهزمتم‏؟‏ والهزيمة لا تزيد في الحياة‏.‏ ‏{‏ومَنْ يرد‏}‏ بعمله وطاعته ‏{‏ثواب الدنيا‏}‏ زينتها وزخرفها ‏{‏نؤته منها‏}‏ نُعْطه منها ما قدَّرناه له، ‏[‏أَيْ‏:‏ لهؤلاء المنهزمين طلباً للغنيمة‏]‏، ‏{‏ومن يرد ثواب الآخرة‏}‏ يعني‏:‏ الذين ثبتوا حتى قُتلوا ‏{‏نؤته منها‏}‏ ثمَّ احتجَّ على المنهزمين بقوله‏:‏

‏{‏وكأين‏}‏ أَيْ‏:‏ وكم ‏{‏من نبيٍّ قتل‏}‏ في معركةٍ ‏{‏معه ربيون كثير‏}‏ جماعاتٌ كثيرةٌ ‏{‏فما وهنوا لما أصابهم‏}‏ أَيْ‏:‏ ما ضعفوا بعد قتل نبيِّهم *** الآية‏.‏

‏{‏وما كان قولهم‏}‏ أَيْ‏:‏ قول أصحاب ذلك النبيِّ المقتول عند الحرب بعد قتل نبيِّهم ‏{‏إلاَّ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا‏}‏ تجاوزنا ما حُدَّ لنا ‏{‏في أمرنا وثَبِّتْ أقدامَنا‏}‏ بالقوَّة من عندك والنُّصرة‏.‏

‏{‏فآتاهم الله ثواب الدنيا‏}‏ النَّصر والظَّفر ‏{‏وحسن ثواب الآخرة‏}‏ الأجر والمغفرة‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إِنْ تطيعوا الذين كفروا‏}‏ أَيْ‏:‏ اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ‏:‏ ارجعوا إلى دين آبائكم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏يردوكم على أعقابكم‏}‏ يرجعوكم إلى أوَّل أمركم من الشِّرك بالله‏.‏

‏{‏بل الله مولاكم‏}‏ أَيْ‏:‏ فاستغنوا عن موالاة الكفَّار، فأنا ناصركم فلا تستنصروهم، ولمَّا انصرف المشركون من أحدٍ همُّوا بالرُّجوع لاستئصال المسلمين، وخاف المسلمون ذلك فوعدهم الله تعالى خذلان أعدائهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏151- 152‏]‏

‏{‏سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ‏(‏151‏)‏ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏152‏)‏‏}‏

‏{‏سنلقي في قلوب الذين كفروا الرُّعب‏}‏ الخوف حتى لا يرجعوا إليكم ‏{‏بما أشركوا‏}‏ أيْ‏:‏ بإشراكهم بالله ‏{‏ما لم ينزل به سلطاناً‏}‏ حجَّةً وبرهاناً، أيْ‏:‏ الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة ‏{‏ومأواهم النار‏}‏ أَيْ‏:‏ مرجعهم النَّار ‏{‏وبئس مثوى الظالمين‏}‏ مقامهم‏.‏

‏{‏ولقد صدقكم الله وعده‏}‏ بالنَّصر والظَّفر ‏{‏إذْ تحسُّونهم‏}‏ تقتلون المشركين يوم أُحدٍ في أوَّل الأمر ‏{‏بإذنه‏}‏ بعلم الله وإرادته ‏{‏حتى إذا فشلتم‏}‏ جَبنْتُم عن عدوِّكم ‏{‏وتنازعتم‏}‏ اختلفتم في الأمر‏.‏ يعني‏:‏ قول بعضهم‏:‏ ما مقامنا وقد انهزم القوم الكافرون، وقول بعضهم‏:‏ لا نجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاختلاف كان بين الرُّماة الذين كانوا عند المركز ‏{‏وعصيتم‏}‏ الرَّسول بترك المركز ‏{‏من بعد ما أراكم ما تحبُّون‏}‏ من الظَّفر والنَّصر على أعدائكم ‏{‏منكم مَنْ يريد الدنيا‏}‏ وهم الذين تركوا المركز، وأقبلوا إلى الذَّهب ‏{‏ومنكم مَن يريد الآخرة‏}‏ أَيْ‏:‏ الذين ثبتوا في المركز ‏{‏ثمَّ صرفكم‏}‏ ردَّكم بالهزيمة ‏{‏عنهم‏}‏ عن الكفَّار ‏{‏ليبتليكم‏}‏ ليختبركم بما جعل عليكم من الدَّبرة، فيتبيَّن الصَّابر من الجازع، والمخلص من المنافق ‏{‏ولقد عفا عنكم‏}‏ ذنبَكم بعصيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم والهزيمة ‏{‏والله ذو فضلٍ على المؤمنين‏}‏ بالمغفرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏153- 156‏]‏

‏{‏إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏153‏)‏ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏154‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏155‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏156‏)‏‏}‏

‏{‏إذْ تصعدون‏}‏ تَبعدون في الهزيمة ‏{‏ولا تلوون‏}‏ لا تقيمون ‏{‏على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم‏}‏ من خلفكم يقول‏:‏ إليَّ عبادَ الله ‏[‏إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله‏]‏، وأنتم لا تلتفتون إليه ‏{‏فأثابكم‏}‏ أَيْ‏:‏ جعل مكان ما ترجعون من الثَّواب ‏{‏غمَّاً‏}‏ وهو غمُّ الهزيمة وظفر المشركين ‏{‏بغمٍّ‏}‏ أَيْ‏:‏ بغمِّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ عصيتموه ‏{‏لكيلا تحزنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ عفا عنكم لكيلا تحزنوا ‏{‏على ما فاتكم‏}‏ من الغنيمة ‏{‏ولا ما أصابكم‏}‏ من القتل والجراح‏.‏

‏{‏ثمَّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمةً نعاساً‏}‏ وذلك أنَّهم خافوا كرَّة المشركين عليهم، وكانوا تحت الحَجَف مُتأهِّبين للقتال، فأمَّنهم الله تعالى أمناً ينامون معه، وكان ذلك خاصَّاً للمؤمنين، وهو قوله‏:‏ ‏{‏يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمَّتهم‏}‏ وهم المنافقون‏.‏ كان همَّهم خلاص أنفسهم ‏{‏يظنون بالله غير الحق‏}‏ أَيْ‏:‏ يظنون أن أمر محمد عليه السَّلام مضحملٌّ، وأنه لا ينصر ‏{‏ظنّ الجاهلية‏}‏ أَيْ‏:‏ كظنِّ أهل الجاهليَّة، وهم الكفَّار ‏{‏يقولون‏:‏ هل لنا من الأمر من شيء‏}‏ ليس لنا من النصر والظَّفَر شيء كما وُعدنا‏.‏ يقولون ذلك على جهة التكذيب‏.‏ فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ الأمر كلّه لله‏}‏ أَيْ‏:‏ النصر والشهادة، والقدر والقضاء ‏{‏يخفون في أنفسهم‏}‏ من الشك والنفاق ‏{‏ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء‏}‏ أَيْ‏:‏ لو كان الاختيار إلينا ‏{‏ما قتلنا هَهُنَا‏}‏ يعنون‏:‏ أنَّهم أخرجوا كُرهاً، ولو كان الأمر بيدهم ما خرجوا، وهذا تكذيبٌ منهم بالقدر، فردَّ الله عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏}‏ مصارعهم، ولم يكن لِيُنجيهم قعودُهم ‏{‏وليبتلي الله ما في صدوركم‏}‏ أيُّها المنافقون، فعلَ الله ما فعلَ يوم أُحدٍ ‏{‏وليمحِّص‏}‏ ليظهر ويكشف ‏{‏ما في قلوبكم‏}‏ أيُّها المؤمنون من الرِّضا بقضاء الله ‏{‏والله عليمٌ بذات الصدور‏}‏ بضمائرها‏.‏

‏{‏إنَّ الذين توَّلوا منكم‏}‏ أيُّها المؤمنون ‏{‏يوم التقى الجمعان‏}‏ أَيْ‏:‏ الذين انهزموا يوم أحد ‏{‏إنما استزلَّهم الشيطان‏}‏ حملهم على الزَّلَّة ‏{‏ببعض ما كسبوا‏}‏ يعني‏:‏ معصيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم بترك المركز ‏{‏ولقد عفا الله عنهم‏}‏ تلك الخطيئة‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا‏}‏ أَيْ‏:‏ المنافقين ‏{‏وقالوا لإِخوانهم‏}‏ أَيْ‏:‏ في شأن إخوانهم في النَّسب ‏{‏إذا ضربوا في الأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ سافروا فماتوا وهلكوا ‏{‏أو كانوا غُزَّىً‏}‏ جمع غازٍ، فقتلوا ‏{‏لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا‏}‏ تكذيباً منهم بالقضاء والقدر ‏{‏ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم‏}‏ أَيْ‏:‏ ليجعل ظنَّهم أنَّهم لو لم يحضروا الحرب لاندفع عنهم القتل ‏{‏حسرة في قلوبهم‏}‏ ينهى المؤمنين أن يكونوا كهؤلاءِ الكفَّار في هذا القول منهم، ليجعل اللَّهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دون قلوب المؤمنين ‏{‏واللَّهُ يحيي ويميت‏}‏ فليس يمنع الإِنسان تحرُّزه من إتيان أجله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏157- 164‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏157‏)‏ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏158‏)‏ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ‏(‏159‏)‏ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏160‏)‏ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏161‏)‏ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏162‏)‏ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏163‏)‏ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏164‏)‏‏}‏

‏{‏ولئن قتلتم‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ والله لئن قتلتم‏]‏‏.‏ ‏{‏في سبيل الله‏}‏ في الجهاد أيُّها المؤمنون ‏{‏أو متم‏}‏ في سبيل الله ليغفرنَّ لكم وهو ‏{‏خيرٌ مما يَجمعون‏}‏ من أعراض الدُّنيا‏.‏

‏{‏ولئن متم‏}‏ مُقيمين على الجهاد ‏{‏أو قتلْتُم‏}‏ مجاهدين ‏{‏لإِلى الله تحشرون‏}‏ في الحالين‏.‏

‏{‏فبما رحمة من الله‏}‏ أَيْ‏:‏ فَبِرَحْمةٍ، أَيْ‏:‏ فبنعمةٍ من الله وإحسانٍ منه إليك ‏{‏لِنت لهم‏}‏ يا محمد‏:‏ أَيْ‏:‏ سهلت أخلاقك لهم، وكثر احتمالك ‏{‏ولو كنت فظاً‏}‏ غليظاً في القول ‏{‏غليظ القلب‏}‏ في الفعل ‏{‏لانفضُّوا‏}‏ لتفرَّقوا ‏{‏من حولك فاعف عنهم‏}‏ فيما فعلوا يومَ أُحدٍ ‏{‏واستغفر لهم‏}‏ حتى أُشفِّك فيهم ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ تطييباً لنفوسهم، ورفعاً من أقدارهم، ولتصير سنَّةً ‏{‏فإذا عزمت‏}‏ على ما تريد إمضاءه ‏{‏فتوكل على الله‏}‏ لا على المشاورة‏.‏

‏{‏إنْ ينصركم الله فلا غالب لكم‏}‏ من النَّاس ‏{‏وإن يخذلكم‏}‏ ‏[‏يوم أُحد‏]‏ لا ينصركم أحدٌ من بعده، والمعنى‏:‏ لا تتركوا أمري للنَّاس، وارفضوا النَّاس لأمري‏.‏

‏{‏وما كان لنبيٍّ أن يغلَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ يخون بكتمان شيءٍ من الغنيمة عن أصحابه‏.‏ نزلت في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدرٍ، فقال النَّاس‏:‏ لعلَّ النَّبيَّ أخذها، فنفى الله تعالى عنه الغلول، وبيَّن أنَّه ما غلَّ نبيٌّ، والمعنى‏:‏ ما كان لنبيٍّ غلولٌ ‏{‏ومن يَغْلُلْ يأت بما غلَّ‏}‏ حاملاً له على ظهره ‏{‏يوم القيامة ثمَّ توفى كل نفس ما كسبت‏}‏ أَيْ‏:‏ تُجازى ثواب عملها ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏ لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً‏.‏

‏{‏أفمن اتَّبع رضوا الله‏}‏ بالإيمان به والعمل بطاعته، يعني‏:‏ المؤمنين ‏{‏كمَنْ باء بسخطٍ من الله‏}‏ احتمله بالكفر به، والعمل بمعصيته، يعني‏:‏ المنافقين‏.‏

‏{‏هم درجاتٌ عند الله‏}‏ أَيْ‏:‏ أهل درجات عند الله‏.‏ يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب، ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب ‏{‏والله بصيرٌ بما يعملون‏}‏ فيه حثٌّ على الطَّاعة، وتحذيرٌ عن المعصية‏.‏

‏{‏لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم‏}‏ أَيْ‏:‏ واحداً منهم عُرِف أمره، وخبرُ صدقه وأمانته، ليس بمَلَك ولا أحدٍ من غير بني آدم، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة‏.‏ ‏{‏وإن كانوا من قَبْلُ‏}‏ ‏[‏وقد كانوا‏]‏ من قبل بعثه ‏{‏لفي ضلالٍ مبين‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 168‏]‏

‏{‏أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏165‏)‏ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏166‏)‏ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ‏(‏167‏)‏ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏168‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمّا أصابتكم‏}‏ أَوَ حين أصابتكم مصيبة‏.‏ يعني‏:‏ ما أصابهم يوم أُحدٍ ‏{‏وقد أصبتم‏}‏ أنتم ‏{‏مثليها‏}‏ يوم بدر، وذلك أنَّهم قتلوا سبعين وأسروا سبعين، وقُتل منهم يوم أحد سبعون ‏{‏قلتم أنَّى هذا‏}‏ من أين أصابنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا‏؟‏‏!‏ ‏{‏قل هو من عند أنفسكم‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّكم تركتم المركز وطلبتم الغنيمة، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاءكم الشَّرُّ ‏{‏إنَّ الله على كل شيء قدير‏}‏ من النَّصر مع طاعتكم نبيَّكم، وترك النَّصر مع مخالفتكم إيَّاه‏.‏

‏{‏وما أصابكم يوم التقى الجمعان‏}‏ يوم أُحدٍ ‏{‏فبإذن الله‏}‏ بقضائه وقدره، يُسلِّيهم بذلك ‏{‏وليعلم المؤمنين‏}‏ ثابتين صابرين، وليعلمَ المنافقين حازعين ممَّا نزل بهم‏.‏

‏{‏وقيل لهم‏}‏ لعبد الله بن أُبيِّ وأصحابه لمَّا انصرفوا ذلك اليوم عن المؤمنين ‏{‏تَعالَوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا‏}‏ عنَّا القوم بتكثيركم سوادنا إنْ لم تقاتلوا ‏{‏قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم‏}‏ أَيْ‏:‏ لو نعلم أنَّكم تقاتلون اليوم لاتَّبعناكم، ولكن لا يكون اليوم قتال، ونافقوا بهذا لأنَّهم لو علموا ذلك ما اتَّبعوهم‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هم للكفر يومئذٍ‏}‏ بما أظهروا من خذلان المؤمنين ‏{‏أقربُ منهم للإِيمان‏}‏ لأنهم كانوا قبل ذلك أقربَ إلى الإِيمان بظاهر حالهم، فلمَّا خذلوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر من حيث الظَّاهر‏.‏

‏{‏الذين قالوا‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين ‏{‏لإِِخوانهم‏}‏ لأمثالهم من أهل النِّفاق ‏{‏وقعدوا‏}‏ عن الجهاد، الواو للحال ‏{‏لو أطاعونا‏}‏ يعنون‏:‏ شهداء أُحدٍ في الانصراف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والقعود ‏{‏ما قُتلوا‏}‏ فردَّ الله تعالى عليهم وقال‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ لهم يا محمَّدُ ‏{‏فادْرَؤُوا‏}‏ فادفعوا ‏{‏عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين‏}‏ إنْ صدقتم أنَّ الحذر ينفع من القدر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏169- 172‏]‏

‏{‏وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ‏(‏169‏)‏ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏170‏)‏ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏171‏)‏ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏172‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله‏}‏ يعني‏:‏ شهداء أُحدٍ ‏{‏أمواتاً بل أحياء‏}‏ بل هم أحياءٌ ‏{‏عند ربهم‏}‏ في دار كرامته؛ لأنَّ أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ‏.‏ ‏{‏يرزقون‏}‏ يأكلون‏.‏

‏{‏فرحين‏}‏ مسرورين ‏{‏بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم‏}‏ ويفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم يرجون لهم الشَّهادة، فينالون مثلَ ما نالوا ‏{‏ألاَّ خوفٌ عليهم‏}‏ أَيْ‏:‏ بأن لا خوفٌ عليهم‏.‏ يعني‏:‏ على إخوانهم المؤمنين إذا لحقوا بهم‏.‏

‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏}‏ أجابوهما ‏{‏من بعد ما أصابهم القرح‏}‏ أَيْ‏:‏ الجراحات ‏{‏للذين أحسنوا منهم‏}‏ بطاعة الرَّسول واتَّقوا مخالفته ‏{‏أجر عظيم‏}‏ نزلت في الذين أطاعوا الرَّسول حين ندبهم للخروج في طلب أبي سفيان يوم أُحدٍ لمَّا همَّ أبو سفيان بالانصراف إلى محمَّدٍ عليه السَّلام وأصحابه ليستأصلوهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏173- 176‏]‏

‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ‏(‏173‏)‏ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ‏(‏174‏)‏ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏175‏)‏ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏176‏)‏‏}‏

‏{‏الذين قال لهم الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يوافيه العام المقبل من يوم أُحدٍ بِبَدْرٍ الصُّغرى، فلمَّا كان العام المقبل بعث نعيم بن مسعود الأشجعيِّ ليجبِّن المؤمنين عن لقائه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏الذين‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين ‏{‏قال لهم الناس‏}‏ يعني‏:‏ نعيم بن مسعود ‏{‏إنَّ الناس‏}‏ يعني‏:‏ أبا سفيان وأصحابه ‏{‏قد جمعوا‏}‏ ‏[‏باللطيمة سوق مكة‏]‏ ‏{‏لكم فاخشوهم‏}‏ ولا تأتوهم ‏{‏فزادهم‏}‏ ذلك القول ‏{‏إيماناً‏}‏ أَيْ‏:‏ ثبوتاً في دينهم، وإقامةً على نصرة نبيِّهم ‏{‏وقالوا حسبنا الله‏}‏ أَيْ‏:‏ الذي يكفينا أمرهم هو الله ‏{‏ونِعْمَ الوكيل‏}‏ أَيْ‏:‏ الموكول إليه الأمر‏.‏

‏{‏فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضل‏}‏ ‏[‏ربحٍ‏]‏ وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لذلك الموعد، فلم يلق أحداً من المشركين، ووافقوا السُّوق، وذلك أنَّه كان موضع سوقٍ لهم، فاتَّجروا وربحوا، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وهو قوله‏:‏ ‏{‏لم يمسسهم سوءٌ‏}‏ أَيْ‏:‏ قتل ولا جراح ‏{‏واتبعوا رضوان الله‏}‏ ‏[‏إلى بدر الصغرى في طاعته و‏]‏ في طاعة رسوله‏.‏ قوله‏:‏

‏{‏إنما ذلكم الشيطان يُخوِّف أولياءَه‏}‏ أَيْ‏:‏ يُخوِّفكم بأوليائه، يعني‏:‏ الكفَّار ‏{‏فلا تخافوهم وخافون‏}‏ في ترك أمري ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ مُصدِّقين لوعدي‏.‏

‏{‏ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر‏}‏ أَيْ‏:‏ في نصرته، وهم المنافقون واليهود والمشركون ‏{‏إنَّهم لن يضرُّوا الله‏}‏ أََيْ‏:‏ أولياءَه ودينه ‏{‏شيئاً‏}‏ وإنَّما يعود وبال ذلك عليهم، ‏{‏يريد الله ألا يجعل لهم حظَّاً‏}‏ نصيباً ‏{‏في الآخرة‏}‏ في الجنَّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏177- 183‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏177‏)‏ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏178‏)‏ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏179‏)‏ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏180‏)‏ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏181‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏182‏)‏ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏183‏)‏‏}‏

‏[‏‏{‏إنَّ الذين اشتروا الكفر بالإِيمان‏}‏ أَيْ‏:‏ استبدلوا‏.‏ كرَّر ‏{‏لن يضروا الله شيئاً‏}‏ لأنَّه ذكره في الأول عن طريق العلة لما يجب من التَّسلية عن المسارعة إلى الضَّلالة، وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي‏]‏‏.‏

‏{‏ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنَّما نُملي لهم‏}‏ أَيْ‏:‏ أنَّ إملاءنا- وهو الإِمهال والتأخير- ‏{‏خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم‏}‏ أَيْ‏:‏ نُطوِّل أعمارهم ليزدادوا إثماً لمعاندتهم الحق، وخلافهم الرَّسول، نزلت الآية في قومٍ من الكفَّار علم الله تعالى أنَّهم لا يؤمنون أبداً‏.‏ وأنَّ بقاءهم يزيدهم كفراً‏.‏

‏{‏ما كانَ الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه‏}‏ أَيُّها المؤمنون من التباس المنافق بالمؤمن ‏{‏حتى يميز الخبيث من الطيب‏}‏ أََيْ‏:‏ المنافق من المؤمن، ففعل ذلك يوم أُحدٍ، لأنَّ المنافقين أظهروا النِّفاق بتخلُّفهم ‏{‏وما كان الله ليطلعكم على الغيب‏}‏ فتعرفوا المنافق من المؤمن قبل التَّمييز ‏{‏ولكنَّ الله‏}‏ يختار لمعرفة ذلك مَن يشاء من الرُّسل، وكان محمَّد ممَّن اصطفاه الله بهذا العلم‏.‏

‏{‏ولا يحسبنَّ الذين يبخلون‏}‏ أَيْ‏:‏ بخل الذين يبخلون ‏{‏بما آتاهم الله منْ فضله‏}‏ بما يجب فيه من الزَّكاة‏.‏ نزلت في مانعي الزَّكاة ‏{‏هو خيراً لهم‏}‏ أَيْ‏:‏ البخلَ خيراً لهم ‏{‏بل هو شرٌّ لهم‏}‏ لأَنَّهم يستحقُّون بذلك عذاب الله ‏{‏سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة‏}‏ وهو أنَّه يُجعل ما بَخِل به من المال حيَّةً يُطوَّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه ‏{‏ولله ميراث السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّه يُغني أهلهما، وتبقى الأملاك والأموال لله، ولا مالك لها إلاَّ الله تعالى‏.‏

‏{‏لقد سمع الله قول الذين قالوا إنَّ الله فقير ونحن أغنياء‏}‏ نزلت في اليهود حين قالوا- لمَّا نزل قوله‏:‏ ‏{‏مَنْ ذا الذي يقرض الله قرضاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية-‏:‏ إنَّ الله فقيرٌ يستقرضنا، ونحن أغنياء، ولو كان غنيَّاً ما استقرضنا أموالنا ‏{‏سنكتب ما قالوا‏}‏ أَيْ‏:‏ نأمر الحفظة بإثبات ذلك في صحائف أعمالهم *** الآية‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك العذاب ‏{‏بما قدَّمت أيديكم‏}‏ بما سلف من إجرامكم ‏{‏وأنَّ الله‏}‏ وبأن الله ‏{‏ليس بظلام للعبيد‏}‏ فيعاقبهم بغير جرمٍ‏.‏

‏{‏الذين قالوا إنَّ الله عهد إلينا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ أَيْ‏:‏ اليهود، وذلك أنَّ الله أمر بني إسرائيل في التَّوراة ألا يُصدقوا رسولاً جاءهم حتى يأتيهم بقربانٍ تأكله النَّار إلاَّ المسيحَ ومحمداً عليهما السَّلام، فكانوا يقولون لمحمَّد عليه السَّلام‏:‏ لا نُصدِّقك حتى تأتينا بقربان تأكله النَّار، لأنَّ الله عهد إلينا ذلك، فقال الله تعالى لمحمد عليه السَّلام إقامةً للحجَّة عليهم‏:‏ ‏{‏قل قد جاءكم رسلٌ من قبلي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ثمَّ عزَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏184- 189‏]‏

‏{‏فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ‏(‏184‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ‏(‏185‏)‏ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ‏(‏186‏)‏ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ‏(‏187‏)‏ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏188‏)‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏189‏)‏‏}‏

‏{‏فإن كذَّبوك فقد كُذِّبَ رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر‏}‏ أَيْ‏:‏ الكتب ‏{‏والكتاب المنير‏}‏ أَيْ‏:‏ الهادي إلى الحقِّ‏.‏

‏{‏كلُّ نفس ذائقةٍ الموت وإنما تُوَفَّونَ أجورَكم يومَ القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز‏}‏ أَيْ‏:‏ ظفر بالخير، ونجا من الشَّرِّ ‏{‏وما الحياة الدنيا‏}‏ أَيْ‏:‏ العيش في هذه الدَّار الفانية ‏{‏إلاَّ متاع الغرور‏}‏ لأنَّه يغرُّ الإِنسان بما يُمنِّيه من طول البقاء، وهو ينقطع عن قريب‏.‏

‏{‏لتبلونَّ‏}‏ لتختبرُنَّ أيُّها المؤمنون ‏{‏في أموالكم‏}‏ بالفرائض فيها ‏{‏وأنفسكم‏}‏ بالصَّلاة والصَّوم والحجِّ والجهاد ‏{‏ولتسمعنَّ من الذين أوتوا الكتاب‏}‏ وهم اليهود ‏{‏ومنَ الذين أشركوا‏}‏ وهم المشركون ‏{‏أذىً كثيراً‏}‏ بالشَّتم والتَّعيير ‏{‏وإن تصبروا‏}‏ على ذلك الأذى بترك المعارضة ‏{‏فإنَّ ذلك من عزم الأمور‏}‏ من حقيقة الإِيمان‏.‏

‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أخذ الله ميثاق اليهود في التَّوراة ليبيننَّ شأن محمَّد ونعته ومبعثه، ولا يخفونه، فنبذوا الميثاق ولم يعملوا به، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً‏}‏ أَيْ‏:‏ ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برئاستهم في العلم ‏{‏فبئس ما يشترون‏}‏ قُبِّح شراؤهم وخسروا‏.‏

‏{‏لا تحسبنَّ الذين يفرحون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس، وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم، وليسوا كذلك، وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ، وقالوا‏:‏ نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم ‏{‏فلا تحسبنَّهم بمفازة‏}‏ بمنجاةٍ ‏{‏من العذاب‏}‏‏.‏ ‏{‏ولله ملك السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ يملك تدبيرهما وتصريفهما على ما يشاء‏.‏ الآية والتي بعدها ذُكرت في سورة البقرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏191- 196‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏(‏191‏)‏ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ‏(‏192‏)‏ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ‏(‏193‏)‏ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ‏(‏194‏)‏ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ‏(‏195‏)‏ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ‏(‏196‏)‏‏}‏

‏{‏الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم‏}‏ أَيْ‏:‏ يصلُّون على هذه الأحوال على قدر إمكانهم ‏{‏ويتفكرون في خلق السموات والأرض‏}‏ فيكون ذلك أزيد في بصيرتهم ‏{‏ربنا‏}‏ أَيْ‏:‏ ويقولون‏:‏ ‏{‏ربنا ما خلقت هذا‏}‏ أَيْ‏:‏ هذا الذي نراه من خلق السَّموات والأرض ‏{‏باطلاً‏}‏ أَيْ‏:‏ خلقاً باطلاً‏.‏ يعني‏:‏ خلقته دليلاً على حكمتك وكمال قدرتك‏.‏

‏{‏ربَّنا إنَّك مَنْ تدخل النار‏}‏ للخلود فيها ‏{‏فقد أخزيته‏}‏‏:‏ أهلكته وأهنته ‏{‏وما للظالمين‏}‏ أَيْ‏:‏ الكفَّار ‏{‏من أنصار‏}‏ يمنعونهم من عذاب الله‏.‏

‏{‏ربنا إننا سمعنا منادياً‏}‏ أَيْ‏:‏ محمَّداً عليه السَّلام والقرآن ‏{‏ينادي للإِيمان‏}‏ أَيْ‏:‏ إلى الإِيمان ‏{‏أَنْ آمنوا بربكم فآمنّا، ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكَفِّرْ عنّا سيئاتنا‏}‏ أَيْ‏:‏ غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها ‏{‏وتوفنا مع الأبرار‏}‏ يعني‏:‏ الأنيباء، أَيْ‏:‏ في جملتهم حتى نصير معهم‏.‏

‏{‏ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك‏}‏ أَيْ‏:‏ على ألسنتهم من النَّصر لنا، والخذلان لعدِّونا ‏{‏ولا تُخْزِنَا يوم القيامة‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تهلكنا بالعذاب‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏بعضكم من بعض‏}‏ أَيْ‏:‏ حكمُ جميعكم حكمُ واحدٍ منكم فيما أفعل بكم من مجازاتكم على أعمالكم، وترك تضييعها لكم‏.‏

‏{‏لا يغرنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد‏}‏ تصرُّفهم للتِّجارات في البلاد، وذلك أنَّهم كانوا يتَّجرون ويتنعَّمون في البلاد، فقال بعض المؤمنين‏:‏ إنَّ أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏197- 200‏]‏

‏{‏مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏197‏)‏ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ‏(‏198‏)‏ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏199‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏200‏)‏‏}‏

‏{‏متاعٌ قليل‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك الكسب والرِّبح متاعٌ قليل؛ لأنَّه فانٍ منقطعٌ وقوله‏:‏

‏{‏نزلاً‏}‏ النُّزُل‏:‏ ما يُهيَّأ للضَّيف، ومعناه هاهنا الجزاء والثَّواب ‏{‏وما عند الله خيرٌ للأبرار‏}‏ ممَّا يتقلَّب فيه الكفَّار، ثمَّ ذكر مؤمني أهل الكتاب فقال‏:‏

‏{‏وإنَّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا اصبروا‏}‏ أَيْ‏:‏ اصبروا على دينكم فلا تَدعوه لشدِّةٍ نزلت بكم، وقيل‏:‏ على الجهاد ‏{‏وصابروا‏}‏ عدوَّكم فلا يكوننَّ أصبر منكم ‏{‏ورابطوا‏}‏ أَيْ‏:‏ اقيموا على جهاد عدوِّكم بالحرب والحجَّة‏.‏

سورة النساء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ‏(‏1‏)‏ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الناس‏}‏ يا أهل مكَّة ‏{‏اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة‏}‏ آدم ‏{‏وخلق منها زوجها‏}‏ حوَّاء‏.‏ خُلقت من ضلع من أضلاعه ‏{‏وبث‏}‏ أَيْ‏:‏ فرَّق ونشر ‏{‏منهما‏}‏، ‏{‏واتقوا الله‏}‏ أَيْ‏:‏ خافوه وأطيعوه ‏{‏الذي تساءلون به‏}‏ أَيْ‏:‏ تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به، وتقولون‏:‏ أسألك بالله، وأنشدك الله، وقوله‏:‏ ‏{‏والأرحام‏}‏ أيْ‏:‏ واتَّقوا الأرحام أن تقطعوها ‏{‏إنَّ الله كان عليكم رقيباً‏}‏ أَيْ‏:‏ حافظاً يرقب عليكم أعمالكم، فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه‏.‏

‏{‏وآتوا اليتامى أموالهم‏}‏ الخطاب للأولياء والأوصياء، أَيْ‏:‏ أعطوهم أموالهم إذا بلغوا ‏{‏ولا تتبدلوا الخبيث‏}‏ من أموالهم الحرام ‏[‏عليكم‏]‏ ‏{‏بالطيب‏}‏ الحلال من مالكم، وهو أنَّه كان وليُّ اليتيم يأخذ الجيد من ماله، ويجعل مكانه الرَّديء ‏{‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم‏}‏ لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم إذا احتجتم إليها ‏{‏إنَّه‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّ أكل أموالهم ‏{‏كان حوباً كبيراً‏}‏ أيْ‏:‏ إثماً كبيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 8‏]‏

‏{‏وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ‏(‏3‏)‏ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ‏(‏4‏)‏ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏5‏)‏ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ‏(‏6‏)‏ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‏(‏7‏)‏ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏وإن خفتم ألا تُقسطوا‏}‏‏:‏ ألا تعدلوا ‏{‏في اليتامى‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ في نكاح اليتامى‏]‏ وهمَّكم ذلك ‏{‏فانكحوا ما طاب‏}‏ أَي‏:‏ الطَّيِّب ‏{‏لكم من النساء‏}‏ يعني‏:‏ من اللاتي تحلُّ دون المحرَّمات، والمعنى‏:‏ أنَّ الله سبحانه قال لنا‏:‏ فكما تخافون ألا تعدلوا بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضاً ألا تعدلوا بين النِّساء إذا نكحتموهنَّ، فانكحوا من النِّساء ‏{‏مثنى‏}‏ أَي‏:‏ اثنتين اثنتين ‏{‏وثلاث‏}‏ ثلاثاً ثلاثاً ‏{‏ورباع‏}‏ أربعاً أربعاً ‏{‏فإن خفتم ألا تعدلوا‏}‏ أَيْ‏:‏ في الأربع ‏{‏فواحدة‏}‏ أَيْ‏:‏ فلينكح كلُّ واحدٍ منكم واحدةً و‏{‏ذلك‏}‏ أنَّ نكاح هؤلاء النِّسوة على قلَّة عددهنَّ ‏{‏أدنى‏}‏ أَيْ‏:‏ أقربُ إلى العدل، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ألا تعولوا‏}‏ أَيْ‏:‏ تميلوا وتجوروا‏.‏

‏{‏وآتوا النساء‏}‏ أَيُّها الأزواج ‏{‏صدقاتهنَّ‏}‏ مهورهنَّ ‏{‏نحلة‏}‏ فريضةً وتديُّناً ‏{‏فإنْ طبن لكم‏}‏ أَيْ‏:‏ إنْ طابت لكم أنفسهنَّ ‏{‏عن شيء‏}‏ من الصَّداق ‏{‏فكلوه هنيئاً‏}‏ في الدُّنيا لا يقضي به عليكم سلطانٌ ‏{‏مريئاً‏}‏ في الآخرة لا يؤاخذكم الله به‏.‏

‏{‏ولا تؤتوا السفهاء‏}‏ أَي‏:‏ النِّساء والصِّبيان ‏{‏أموالكم التي جعل الله لكم قياماً‏}‏ لمعايشكم وصلاح دنياكم‏.‏ يقول‏:‏ لا تعمدْ إلى مالك الذي خوَّلك الله، وجعله لك معيشةً فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثمَّ تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وارزقوهم فيها‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ اجعلوا لهم فيها رزقاً‏]‏، ‏{‏واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً‏}‏ أَيْ‏:‏ عدةً جميلةً من البرِّ والصِّلة‏.‏

‏{‏وابتلوا اليتامى‏}‏ أَيْ‏:‏ اختبروهم في عقولهم وأديانهم ‏{‏حتى إذا بلغوا النكاح‏}‏ أَيْ‏:‏ حال النِّكاح من الاحتلام ‏{‏فإن آنستم‏}‏ أبصرتم ‏{‏منهم رشداً‏}‏ صلاحاً للعقل وحفظاً للمال‏.‏ ‏{‏ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا، فيلزمكم تسليم المال إليهم ‏{‏ومن كان غنيّاً‏}‏ من الأوصياء ‏{‏فليستعفف‏}‏ عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً ‏{‏ومَنْ كان فقيراً فليأكل بالمعروف‏}‏ يقدِّر أجرة عمله ‏{‏فإذا دفعتم‏}‏ أَيُّها الأولياء ‏{‏إليهم‏}‏ إلى اليتامى ‏{‏أموالهم فأشهدوا عليهم‏}‏ لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه ‏{‏وكفى بالله حسيباً‏}‏ محاسباً ومجازياً للمحسن والمسيء‏.‏

‏{‏للرجال نصيب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كانت العرب في الجاهليَّة لا تورث النِّساء ولا الصِّغار شيئاً، فأبطل الله ذلك، وأعلم أنَّ حقَّ الميراث على ما ذكر في هذه الآية من الفرض‏.‏

‏{‏وإذا حضر القسمة‏}‏ أَيْ‏:‏ قسمة المال بين الورثة ‏{‏أولوا القربى‏}‏ أَي‏:‏ الذين يُحجبون ولا يرثون ‏{‏واليتامى والمساكين فارزقوهم منه‏}‏ وهذا على النَّدب والاستحباب‏.‏ يستحبُّ للوارث أن يرضخ لهؤلاء إذا حضروا القسمة من الذَّهب والفضَّة، وأن يقولوا لهم قولاً معروفاً إذا كان الميراث ممَّا لا يمكن أن يرضخ منه كالأرضين والرَّقيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 14‏]‏

‏{‏وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ‏(‏10‏)‏ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏11‏)‏ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ‏(‏12‏)‏ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏13‏)‏ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وليخش الذين لو تركوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أَيْ‏:‏ وليخش مَنْ كان له وُلدٌ صغارٌ، خاف عليهم من بعده الضَّيعة أن يأمر الموصي بالإِسراف فيما يعطيه اليتامى والمساكين وأقاربه الذين لا يرثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميِّت، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثُّلث، وقوله‏:‏ ‏{‏ذرية ضعافاً‏}‏ أَيْ‏:‏ صغاراً ‏{‏خافوا عليهم‏}‏ أي‏:‏ الفقر ‏{‏فليتقوا الله‏}‏ فيما يقولون لمن حضره الموت ‏{‏وليقولوا قولاً سديداً‏}‏ عدلاً، وهو أن يأمره أن يخلِّف ماله لولده، ويتصدَّق بما دون الثُّلث أو الثُّلث، ثمَّ ذكر الوعيد على أكل مال اليتيم ظلماً، فقال‏:‏

‏{‏إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ تؤول عاقبته إلى النَّار ‏{‏وسيصلون سعيراً‏}‏ ناراً ذات تلهُّب، أَيْ‏:‏ يُقاسون حرَّها وشدَّتها‏.‏

‏{‏يوصيكم الله‏}‏ أَيْ‏:‏ يفرض عليكم؛ لأنَّ الوصية من الله فرضٌ ‏{‏في أولادكم‏}‏ الذُّكور والإِناث ‏{‏للذكر مثل حظ الأنثيين فإنْ كُنَّ‏}‏ أَي‏:‏ الأولاد ‏{‏نساءً فوق اثنتين‏}‏ ‏"‏ فوق ‏"‏ ها هنا صلةٌ؛ لأنَّ الثِّنتين يرثان الثُّلثين بإجماعٍ اليوم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فلهن ثلثا ما ترك‏}‏ ويجوز تسمية الاثنين بالجمع، ‏{‏وإن كانت‏}‏ المتروكة المُخلًّفة ‏{‏واحدة فلها النصف‏}‏ وتمَّ بيان ميراث الأولاد، ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏ولأبويه‏}‏ أَيْ‏:‏ ولأبوي الميِّت ‏{‏لكلِّ واحدٍ منهما السدس ممَّا ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولدٌ وورثه أبواه فلأمّه الثلث، فإن كان له‏}‏ أَيْ‏:‏ للميِّت ‏{‏إخوة‏}‏ يعني أخوين؛ لأنَّ الأُمَّة أجمعت أنَّ الأخوين يحجبان الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس، وقوله‏:‏ ‏{‏من بعد وصية‏}‏ أَيْ‏:‏ هذه الأنصباء إنما تُقسم بعد قضاء الدَّين، وإنفاذ وصية الميت ‏{‏آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقربُ لكم نفعاً‏}‏ في الدُّنيا فتعطونه من الميراث ما يستحقُّ، ولكنَّ الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيَّعتم ‏{‏إنَّ الله كان عليماً‏}‏ بالأشياء قبل خلقها ‏{‏حكيماً‏}‏ فيما دبرَّ من الفرائض، وقوله‏:‏

‏{‏وإن كان رجل يورث كلالة‏}‏ الكلالة‏:‏ مَنْ لا ولد له ولا والد، وكلُّ وارثٍ ليس بوالدٍ ولا ولد للميِّت فهو كلالة أيضاً، والكلالة في هذه الآية الميِّت، أَيْ‏:‏ وإن مات رجلٌ ولا ولدَ له ولا والد ‏{‏وله أخٌ أو أخت‏}‏ يريد‏:‏ من الأمِّ بإجماع من الأُمَّة ‏{‏فلكلِّ واحدٍ منهما السدس‏}‏ وهو فرضُ الواحد من ولد الأمِّ ‏{‏فإن كانوا أكثر من‏}‏ واحدٍ اشتركوا في الثُّلث‏.‏ الذَّكر والأنثى فيه سواءٌ، وقوله‏:‏ ‏{‏غير مضارٍّ‏}‏ أَيْ‏:‏ مُدخلٍ الضَّرر على الورثة، وهو أَنْ يُوصي بدين ليس عليه، يريد بذلك ضرر الورثة ‏{‏والله عليمٌ‏}‏ فيما دبَّر من هذه الفرائض ‏{‏حليمٌ‏}‏ عمَّن عصاه بتأخير عقوبته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ‏(‏15‏)‏ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ‏(‏16‏)‏ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏17‏)‏ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏18‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏واللاتي يأتين الفاحشة‏}‏ يفعلن الزِّنا ‏{‏فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم‏}‏ أَيْ‏:‏ من المسلمين ‏{‏فإن شهدوا‏}‏ عليهنَّ بالزِّنا ‏{‏فأمسكوهنَّ‏}‏ فاحبسوهنَّ ‏{‏في البيوت‏}‏ في السُّجون، وهذا كان في أوَّل الإِسلام، إذا كان الزَّانيان ثَيِّبين حُبسا ومُنعا من مخالطة النَّاس، ثمَّ نُسخ ذلك بالرَّجم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏أو يجعل الله لهنَّ سبيلاً‏}‏ وهو سبيلهنَّ الذي جعله الله لهنَّ‏.‏

‏{‏واللذان يأتيانها‏}‏ أَي‏:‏ البكرين يزنيان ويأتيان الفاحشة ‏{‏فآذوهما‏}‏ بالتَّعنيف والتَّوبيخ، وهو أنْ يقال لهما‏:‏ انتهكتما حرمات الله، وعصيتماه واستوجبتما عقابه‏.‏ ‏{‏فإن تابا‏}‏ من الفاحشة ‏{‏وأصلحا‏}‏ العمل فيما بعد فاتركوا أذاهما، وهذا كان في ابتداء الإِسلام، ثمَّ نسخه قوله‏:‏ ‏{‏الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏إنما التوبةُ على الله‏}‏ أَي‏:‏ إنما التوبة التي أوجب الله على نفسه بفضله قَبولَها ‏{‏للذين يعملون السوء بجهالة‏}‏ أي‏:‏ إنّ ذنبَ المؤمن جهلٌ منه، والمعاصي كلُّها جهالة، ومَنْ عصى ربَّه فهو جاهل ‏{‏ثم يتوبون من قريب‏}‏ أَيْ‏:‏ من قبل الموت ولو بِفُواق ناقة ‏{‏فأولئك يتوب الله عليهم‏}‏ يعود عليهم بالرحمة ‏{‏وكان اللَّهُ عليماً حكيماً‏}‏ علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق، فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة‏.‏

‏{‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات‏}‏ أَي‏:‏ المشركين والمنافقين ‏{‏ولا الذين يموتون وهم كفار‏}‏ يعني‏:‏ ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم؛ لأنَّ التَّوبة لا تُقبل في الآخرة‏.‏ ‏{‏أولئك أعتدنا‏}‏ أَيْ‏:‏ هيَّأنا وأعددنا‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان الرَّجل إذا ماتَ ورث قريبُه من عصبته امرأتَه، وصار أحقَّ بها من غيره، فأبطل الله ذلك، وأعلم أنَّ الرَّجل لا يرث المرأة من الميت، وقوله‏:‏ ‏{‏أن ترثوا النساء كرهاً‏}‏ يريد‏:‏ عين النِّساء كرهاً، أَيْ‏:‏ ‏[‏نكاح النساء‏]‏ وهنَّ كارهاتٌ ‏{‏ولا تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن‏}‏ كان الرَّجل يمسك المرأة وليس له فيها حاجةٌ إضراراً بها حتى تفتدي بمهرها، فَنُهوا عن ذلك، ثمَّ استثنى فقال‏:‏ ‏{‏إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ أيْ‏:‏ الزِّنا، فإذا رأى الرَّجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أن يضارَّها حتى تختلع منه ‏{‏وعاشروهنَّ بالمعروف‏}‏ أَيْ‏:‏ بما يجب لهنَّ من الحقوق، وهذا قبل أن يأتين الفاحشة ‏{‏فإن كرهتموهن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أَيْ‏:‏ فيما كرهتم ممَّا هو لله رضى خيرٌ كثيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، والخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولداً صالحاً‏.‏